الأحد، 7 ديسمبر 2014

من صحفي إلى مفتي!!

الظاهر أن بعض كُتاب جريدة الإمارات اليوم تحولوا بين عشية وضحاها إلى مفتين واتفقوا على محاربة النقاب والحشمة باسم المحافظة على أمن المجتمعات..!!
 والواقع أن لبس النقاب فضيلة وحشمة ولو حاول البعض التشكيك في ذلك..!!
 وكون البعض تستر ببعض شعائر الدين الظاهرة لا يعني إلغاء تلك الشعائر..!!
 إنما الواجب محاربة أفكار المتسترين لا أشكالهم..!!
 فقتل المعاهدين والمستأمنين من الكفار جريمة نكراء لا يقرها شرع ولا عقل..!!
وأما الحشمة والستر فلا يشك عاقل أن الله عز وجل يحبه، وما يحبه الله من الأقوال أو الأفعال يدور حكمه بين الواجب والمستحب..!!
ولا ينزل حكمه عن ذلك؛ فنفي كون النقاب من الدين مغالطة صريحة لا تخفى على العاقل المنصف..!!
 ولا يحارب النقاب إلا من تلوث فكره..وزلت عن الصراط السوي قدمه..وصار بوقًا لأرباب الشهوات يُعملونه لمآربهم..!!
 وقد أدركنا العجائز عندنا وهن يسترن وجوههن بالبرقع..!!
 ولا فرق بين أن يُغطى الوجه بالشيلة..!!
أويُلبس عليه النقاب..!!
أوالبرقع إذ الكل يراد به الستر..!!
 فقول الريامي أن النقاب ليس من الموروث الشعبي قولٌ يتنافى مع ستر الوجه المعروف في الإمارات فلا أدري من أين جاء به؟!!
 وهب أنه لم يكن كذلك فيكفي أنه ستر والشريعة تدعو إليه..!!
 وأذكر أن عمة الوالد رحمها الله كانت لا تزيل البرقع عن وجهها حتى أمام محارمها..!!
 ولا أبالغ إن قلت إني لم أرَ وجهها في حياتي إلا مرة أو مرتين فقط..!!
وبدون انتباه منها..!!
 فالعجب من جرأة الصحفيين:
١-سامي الريامي.
٢-باسل رفايعة.
 كيف تكلما في حكم النقاب من جهة الشرع..!!
 وهما يجهلان النصوص في مشروعيته وكلام العلماء فيه..!!
 وما سطراه يدل غاية الدلالة على الجهل المطبق في هذه المسألة..!!
 وقد جلبا بصنيعهما كيلا من الطعون لبلادنا الغالية ممن يصطاد في المياه العكرة ويتربص بنا الدوائر..!!
 حقًا إنه زمن العجائب..!!
 صحفي لم يرح رائحة العلم الشرعي ينقلب في يوم وليلة لمفتي يتكلم في الأحكام الشرعية..!!
 هكذا صار بعض كُتاب جريدة الإمارات اليوم وللأسف..!!
 والذي يكدر الخاطر أن الجريدة تحمل اسم الإمارات الغالية..!!
 واللذان سودا تلك الجهالات من رؤساء التحرير فيها..!!
وكما قيل في المثل:
 إذا كان رب البيت للدف ضاربًا...الخ
 فلا أدري متى سيحترم البعض نفسه ويترك الخوض فيما لا يعنيه..!!
 فلأن يكون الواحد تابعًا في الخير خيرٌ له من أن يكون رأسًا في الشر..!!
بقلم/
حمد بن دلموج السويدي
14/صفر/1436هـ
07/ 12 / 2014م

الجمعة، 10 أكتوبر 2014

إليك يا من وُفقت لحج بيت الله الحرام..

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الملك العلام ذي الجلال والإكرام تفضَّل عليك بأن جعلك من حجاج بيت الله الحرام، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد خير من صلى وصام وحج بيت الله الحرام، وعلى آله وصحبه الأخيار والتابعين لهم بإحسان ومن تبعهم من الأبرار، أما بعد:
فهنيئا لكم يا من اختصكم الله تعالى من بين ملايين الأنام لتكونوا من وفده في هذا العام، قال صلى الله عليه وسلم: "الحجاج والعمار وفد الله، دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم" [صحيح الجامع: ٣١٧٣]،
وهنيئًا لكم الأجور العظيمة من خروجكم من بيوتكم إلى وصولكم البيت الحرام، قال صلى الله عليه وسلم: "أما خروجك من بيتك تؤم [أي: تقصد] البيت الحرام، فإن لك بكل وطأة تطأها راحلتك، يكتب الله لك حسنة، ويمحو عنك سيئة..."[صحيح الجامع:١٣٦٠]
وأبشركم ببشارة نبوية عظيمة قال صلى الله عليه وسلم: "ما أهلّ مهل قط إلا بشر، ولا كبر مكبر قط إلا بشر.
قيل: يا رسول الله بالجنة؟
قال: نعم" [صحيح الجامع: ٥٥٦٩]
أيام عظيمة قد انقضت، وليال جميلة قد تصرمت، شهد فيها الحجيج يومًا عظيمًا هو خير أيام الدنيا وهو يوم عرفة، قال صلى الله عليه وسلم: "أما وقوفُك بعرفةَ؛ فإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ ينزلُ إلى السماءِ الدنيا فيباهي بهم الملائكةَ،
فيقولُ: هؤلاءِ عبادي جاؤوني شُعثًا غُبرًا من كلِّ فجٍّ عميقٍ، يرجون رحمتي ويخافون عذابي ولم يروني، فكيف لو رأوني؟
فلو كان عليك مثلُ رملِ عالجٍ [الرمل الكثيف] أو مثلُ أيامِ الدنيا أو مثلُ قطرِ السماءِ ذنوبًا غسلها اللهُ عنك" [صحيح الجامع:١٣٦٠]
فهنيئا لمن شهد ذلك الموقف العظيم..
وهنيئا لمن طاف ببيت الله العتيق،  قال صلى الله عليه وسلم: "..فإذا طُفتَ بالبيت خرجتَ من ذنوبِك كيومِ ولدتْك أمُّك" [صحيح الجامع:١٣٦٠]
الله أكبر!!
محيت عنك الزلات..
وتساقطت عنك السيئات..
وصرت نقيًا كيوم ولدتك أمك..
كيف لا؟!
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو : "أما علمت...أن الحج يهدم ما كان قبله ؟" [رواه مسلم: ١٢١]
فحري بك أخي المسلم يا من وفقك الله للحج في هذا العام، ومنَّ عليك بإتمامه بيسر وسلام، أن تشكر نعمة الله عليك..فبالشكر تدوم النعم، قال الله تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم:٧]
وحري بك أيها الموفق أن تفتح صفحة جديدة وأن تحدث في حياتك نقلة فريدة، تغلق فيها دواوين السيئات وتفتح فيها سجلات الحسنات، فالحسنة تجر أختها..
والسيئة لا تأتي إلا بمثلها..
فاستكثروا من الخير..
فمن كانت ذنوبه قد أثقلته عن الصلوات أو فعل باقي الخيرات، فهذه الفرصة قد أقبلت..فاغتنمها ولا تسوِّف..
ومن كان مقصرًا في حق والديه، أو زوجته وبنيه، أو إخوانه وذويه، فاجتهد في وصلهم وقضاء حاجاتهم ولا تسود صحيفتك بقطيعة الرحم بعدما عادت نقية بفضل ذي الجلال والكرم..
ومن كان مسرفًا على نفسه بالذنوب فقد آن أوان هجران تلك الدروب، وقد رجوت بحجك غفران الذنوب؟!!
وأعلم أن من علامة قبول العمل الصالح (الحج وغيره..) أن يصلح حال الإنسان بعده فإن الحسنة تجر أختها، قال سعيدُ بن جبير: "من ثواب الحسنةِ الحسنةُ بعدها، ومن عقوبة السيئةِ السيئةُ بعدها"
فأسأل الله أن يجعل حجكم مبرورًا، وسعيكم مشكورًا وذنبكم ومغفورًا..
بقلم / حمد بن دلموج السويدي

الثلاثاء، 23 سبتمبر 2014

نفض غبار العصبية عن السلفية


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبيه الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:
فإن الله عز وجل حثَّنا على الاجتماع في إقامة الدين ونهانا عن التفرق فيه فقال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ...} [الشورى: ١٣] وإقامة الدين بالدعوة إلى توحيد الله وترسيخه في النفوس، ونبذ كل ما يناقض أصله أو كماله، فالتوحيد هو أساس دعوة الرسل من لدن نوح عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وهو أول واجب على العبيد؛ لأنه محض حق الله تعالى الذي لا يقبل الله بدونه من العبد صرفًا ولا عدلًا، بل لا يصح ولا يقبل عمل بدونه البتة لقول الله تعالى: { فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: ١١٠ ] وقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا وابتغي به وجهه" [السلسلة الصحيحة: ٥٢],
وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل بالبدء به لما بعثه إلى اليمن فقال: "...فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى.." [البخاري: ٧٣٧٢] .
ولا يُعلم أحد قام بهذا الحق أتم قيام -تعلمًا وعملًا وتعليمًا للناس- مثل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ولذلك استحقوا أن يصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "خير الناس قرني..." [البخاري: ٢٦٥٢], بل حذرنا المولى من مخالفة طريقهم فقال: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: ١١٥]
وسبيل المؤمنين هو سبيل الصحابة -رضي الله عنهم- والتابعين لهم ومن تبعهم أهل القرون المفضلة الذين وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخيرية فقال: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم..." [البخاري: ٢٦٥٢],
وهم السلف الصالح رضوان الله عليهم، فسبيلهم هو الحق الذي من حاد عنه زل!!
ومن رغب عنه ضل!!،
أتدري لماذا؟!
قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "من كان مستنًا فليستن بمن قد مات؛ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد،
١- أبر هذه الأمة قلوبًا،
٢- وأعمقها علمًا،
٣- وأقلها تكلفًا،
٤- قوم اختارهم الله لصحبة نبيه،
٥- وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم".
وقد قضى الله كونًا أن يقع في الأمة اختلاف ليميز الله الخبيث من الطيب، وهو واقع لا محالة لخبر الصادق المصدوق عليه صلى الله عليه وسلم: "... تفترق أمتي على ثلاث و سبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة ..." [صحيح الجامع: 5342], وقد دلنا النبي صلى الله عليه وسلم على الميزان الشرعي الذي توزن به الأقوال والأعمال لضمان موافقتها للطائفة الناجية، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " ما أنا عليه وأصحابي " [صحيح الجامع: 5342].
فمن وزن أقواله وأعماله بهذا الميزان وضبطها به؛ لَحِقَ بالطائفة التي عناها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "لا تزالُ طائفةٌ من أمَّتي ظاهرينَ علَى الحقِّ، لا يضرُّهم مَن خذلَهُم، حتَّى يأتيَ أمرُ اللَّهِ وَهُم كذلِكَ" [رواه مسلم:١٩٢٠]
والخير كل الخير في اتباع من سلف والشر كل الشر في ابتداع من خلف، وكل فرقة من الفرق تدعي اتباع الكتاب والسنة!!
ولكن ما أن تعرض أقوالهم وأفعالهم على الميزان الشرعي إلا ويظهر كذب تلك الدعاوى وتدليسها!!.
ولا يفهم من الحديث السابق تكفير تلك الفرق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم عدهم من أمته بقوله: "تفترق أمتي..." فليتنبه لذلك!!
فالسلفية تعني اتباع الكتاب والسنة على فهم سلف الأمة، وهي الإسلام الصافي الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، بعيدًا عن البدع، والتحزبات، والعصبيات، والسريات التي هي شعار تلك الفرق الضالة.
ومما يؤسف له أن تسري بعض تلك الآفات - كالتعصب للأشخاص- في صفوف بعض إخواننا في الوقت الذي ينادون هم فيه بنبذ العصبية وطلب الدليل، وهذا للأسف واقع من بعض من فهم السلفية فهما مغلوطًا وصار يحاكم الناس إلى ذلك الفهم القاصر فتراه فضًا غليظ القلب، ضيق الأفق، يُدخل من يشاء في السلفية ويخرج منها من يشاء بلا زمام ولا خطام, بعجلة وتعصب لأقوال بعض أهل العلم دون بعض!!
بل يعقد على ذلك الولاء والبراء، ثم ينزِّل أحكام السلف في معاملة أهل البدع الصِرف على إخوانه من طلاب العلم السلفيين لأدنى مخالفة لرأيه وتقليده ولربما حسدًا منه لم يعد بمقدوره ستره وتصريفه!!
وهذا الصنف من الشباب -ذكورًا وإناثًا- تعج مجالسهم ومجموعاتهم (وات ساب، بلاكبيري، تلجرام...الخ) بالغيبة والنميمة باسم الغيرة والنصيحة، وتضيع عندهم الأمانة فما أن يظفر منك بكلمة في مجلس خاص إلا ويطير بها في الآفاق ويُحمِّلها ما لا يحتمله السياق، بل ولا السباق ولا اللحاق، ويلبس ذلك الشطط لباس الشرع، ويظن أنه بذلك محسن، وما هو بمحسن!!
وتجد هذا الصنف من الشباب يُظهر الشجاعة في التحذير والثلب في أعراض طلبة العلم وأنه لا تأخذه في دين الله لومة لائم!!
ولكن هذه الشجاعة المزعومة لا تظهر إلا فيما بينهم أو أمام العامة أو عن طريق المنتديات أو وسائل التواصل الحديثة،
أما المواجهة فلا يقوون عليها بل لا يجرؤن، وتخرس ألسنتهم عندها كأنهم بكم لا ينطقون..!!
وكم أضر هذا الصنف بالدعوة، وكان سببًا في صد الناس عنها، وتشويه صورتها المشرقة، خصوصًا في بعض بلاد الكفر أو البلاد التي يقل فيها العلم ويفشو فيها الجهل والبدع والشرك، فما أن يجتهد بعض طلبة العلم في القيام بواجب تعليم الناس التوحيد والسنة إلا وتراهم يثيرون حولهم القلاقل (ليس عنده تزكيه من فلان، أو لا يعرفه فلان أو...) ثم يسعون في تأليب بعض أهل العلم عليهم بطرق ملتوية حتى يظفروا منهم بكلمة يسقطون بها من لا يوافق هواهم!!،
فَتُعَطَّلُ السنة ويُصد الناس عن أهلها، وتقر البدعة ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، {وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا} [الأنفال: ٤٢]..
فاحذر يا طالب العلم أن تكون من هذا الصنف من الناس، أو أن تُضرب الدعوة من قبلك، ولتعلم أن الدعوة السلفية رحمة للناس أجمعين، كيف لا، وهي امتداد لدعوة محمد صلى الله عليه وسلم الذي قال الله فيه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:١٠٧]
وأعلم أن الخطأ الواقع ممن عُرِفَ بسلامة المنهج -ممن أصوله في التلقي والاستدلال أصول سلفية صحيحة- يعالج بالحكمة والترفق معه بالنصيحة لا بالإلغاء أو الإقصاء أو إهدار جهوده المشهودة -لا سيما في التصدي لأهل البدع- كما هو مشاهد اليوم من بعض من تصدر للجرح وأضفيت عليه الألقاب العريضة فحصل بسببه تفريق وتمزيق للصف السلفي والشكوى إلى الله!!
ولا أبالغ إن قلت: إن الدعوة السلفية لم تمر بمحنة أشد من محنة التفرق التي تسربت إلى بعض صفوفها خلال السنوات الأخيرة!!
وهذه ضريبة مزاحمة العلماء فيما اختصهم الله به، الذين حباهم المولى بالعلم والحكمة والنظر التام في المصالح والمفاسد التي لا يدركها غيرهم..!!
ولو أن هذا الصنف -من المتحمسين على جهل- تجنبوا الخوض فيما لا يعنيهم واشتغلوا بترقع عيوبهم وتقصيرهم في تعلم ما يجب عليهم من العلم وتزكية نفوسهم بالعمل لكان خيرًا لهم ولهذه الدعوة المباركة..
فهذه دعوة لنبذ التحزب والتعصب للأشخاص وعقد الولاء والبراء على أقوالهم الاجتهادية أو إلزام طلبة العلم بها على مبدأ: إما معي أو ضدي!!
وقد حذر العلماء قديمًا وحديثًا من هذه الآفات، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : "إذا كان المعلم أو الأستاذ قد أمر بهجر شخص؛ أو بإهداره وإسقاطه وإبعاده ونحو ذلك: نظر فيه فإن كان قد فعل ذنبًا شرعيًا عوقب بقدر ذنبه بلا زيادة، وإن لم يكن أذنب ذنبًا شرعيًا لم يجز أن يعاقب بشيء لأجل غرض المعلم أو غيره. وليس للمعلمين أن يحزبوا الناس ويفعلوا ما يلقي بينهم العداوة والبغضاء بل يكونون مثل الإخوة المتعاونين على البر والتقوى كما قال تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} .
وليس لأحد منهم أن يأخذ على أحد عهدًا بموافقته على كل ما يريده؛ وموالاة من يواليه؛ ومعاداة من يعاديه بل من فعل هذا كان من جنس جنكيزخان وأمثاله الذين يجعلون من وافقهم صديقًا مواليًا ومن خالفهم عدوا باغيًا؛ بل عليهم وعلى أتباعهم عهد الله ورسوله بأن يطيعوا الله ورسوله؛ ويفعلوا ما أمر الله به ورسوله؛ ويحرموا ما حرم الله ورسوله؛ ويرعوا حقوق المعلمين كما أمر الله ورسوله. فإن كان أستاذ أحد مظلوما نصره وإن كان ظالمًا لم يعاونه على الظلم بل يمنعه منه" [مجموع الفتاوى (٢٨ / ١٥، ١٦)]
قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله : "...أنصح الشباب من هذا التفرُّق وأقول: إياكم والتعصب لأحد, بل تعصبوا للحق أينما كان ولا تكرهوا هذا لأنه ليس على رأي هذا, بل الواجب محبة أهل الخير..." [لقاء الباب المفتوح (67)]
وأعلم أن الله أمرنا بالحكم على الظواهر واختص هو سبحانه بالضمائر، فمن انتسب إلى منهج السلف قُبِلَ منه إلا أن يظهر منه خلافه؛ فالحكم حينئذٍ على ما أظهر وأبدى لا على ما في قلبه ستر وأخفى، يقول العلامة ابن عثيمين رحمه الله: "فالواجب إجراء الناس على ظواهرهم؛ لأننا لا نعلم الغيب، ولا نعلم ما في القلوب، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: "إنما أقضي بنحو ما أسمع"[شرح رياض الصالحين: (4/278)]
وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إلى ذلك المعنى فقال: "لا عيب على من أظهر مذهب السلف وانتسب إليه واعتزى إليه بل يجب قبول ذلك منه بالاتفاق؛ فإن مذهب السلف لا يكون إلا حقًا، فإن كان موافقًا له باطنًا وظاهرًا: فهو بمنزلة المؤمن الذي هو على الحق باطنًا وظاهرًا، وإن كان موافقا له في الظاهر فقط دون الباطن: فهو بمنزلة المنافق، فتقبل منه علانيته وتوكل سريرته إلى الله، فإنا لم نؤمر أن ننقب عن قلوب الناس ولا نشق بطونهم" [مجموع الفتاوى (٤ / ١٤٩)].
قال الشيخ فتحي الموصلي: "...الثانية: هي قاعدة الاحتياط في الدين وعلاقتها بأحكام الانتساب؛ فإذا عُرِفَ بالنسبة فالاحتياط يقتضي منا إثباتها وإبقاؤها على أصلها حتى يرد النافي؛ فالاحتياط في إثبات النسب لا في نفيه؛ كما يقول ابن قدامة رحمه الله:"فإن النسب يحتاط لإثباته ويثبت بأدنى دليل ويلزم من ذلك التشديد في نفيه وأنه لا ينتفي إلا بأقوى الأدلة" [المغني (٦ / ٤٢٠)]...فنسبة الرجل إلى السنة -مثلا- وتسميته بالسني يحصل بأدنى دليل يصلح للإثبات؛ لكن إخراجه من دائرة أهل السنة ونسبته إلى البدعة لا يكونان إلا بأقوى الأدلة وأصرحها دلالةً؛ ولهذا كانت طريقة أهل العلم والفقه التسهيل في الإلحاق والإدخال والتشديد في الطرد والإخراج" [الدعوة السلفية فضيلة الاكتساب وحقيقة الانتساب: ص 197, 198].
وختامًا أسأل الله العظيم أن يجعل هذا المقال لبنة خير في طريق الإصلاح وإزالة العقبات التي تعترض طريق  هذه الدعوة المباركة وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين..
كتبه / حمد بن دلموج السويدي
ليلة: 29 / ذي القعدة/ 1435هـ
الموافق:  23/09/2014م

السبت، 12 يوليو 2014

يقينا تناسينا

بسم الله والصلاة والسلام على رسوله الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد:
ففي زحمة الدينا وتقلبنا في نعيمها لابد لنا من وقفة صادقة مع أنفسنا نتذكر بها الغاية التي من أجلها خُلقنا وهي عبادة الله وحده لا شريك له كما قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}!!
فأين نحن من هذه الغاية؟!
لو تأملت حال كثيرٍ منا، تجده يجتهد لدنياه الفانية ولكأنه خالدٌ مخلدٌ فيها!!
ونسي أو تناسى أنها زائلة والباقي فيها راحل، والأيام مراحل لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "..ما أنا في الدنيا إلا كراكبٍ استظلَّ تحت شجرةٍ، ثم راح و تركها" [صحيح الجامع 5668]
فالدنيا دار ممر وليست بدار مستقر، فلابد من الرحيل كما قال الشاعر:
حكم المنية في البرية جارِ ** ما هذه الدنيا بدار قرار
طُبعتْ على كدر وأنت تريدها ** صفواً من الأقذار والأكدار
فإلى متى الغفلة يا عبد الله؟!
ونحن :
في كل يوم لنا ميت نشيعه ** نرى بمصرعه آثار موتانا
يا نفس ما لي وللأموال أتركها ** خلفي وأخرج من دنياي عريانا
والمتأمل في حالنا يرى كأننا فهمنا قول الله تعالى: {وَٱبْتَغِ فِيمَا ءَاتَٰكَ ٱللهُ ٱلدَّارَ ٱلأَخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا} فهما مقلوبًا!!
فصار النصيب الأعظم من الأوقات للدنيا وحطامها!!
وما فَضُلَ من الوقت إن وجد فهو للآخرة!!
فاشربت القلوب حب الدنيا، وشغلت الأذهان بزخارفها، وصارت صلاتنا أشبه بحركات لا روح لها!!
ما أن يقول المصلي الله أكبر!! فإذا بالأذهان تسرح في حطام الدنيا الزائلة!!
فلا تعجب بعد ذلك إن لم تنهك صلاتك عن الفحشاء والمنكر لأن الله يقول: { إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت: ٤٥] ولكن الخلل فيك فهّلا تفطنت لذلك يا عبد الله!!
أين نحن من قوله صلى الله عليه وسلم "يَا بِلاَلُ، أَقِمِ الصَّلاَةَ أَرِحْنَا بِهَا"؟!
لسان حال البعض يقول: يا إمام أسرع بالصلاة، أرحنا منها!!
أليس هذا واقع كثير منا؟!!
هلا تداركنا ما بقي من آجالنا لعل الله أن يتجاوز عنا إفراطنا فيما مضى من أعمارنا؟!!
رُوي عن التابعي الجليل عروة بن الزبير أنه أصابه داء في رجله وأجمع الأطباء على بترها، فهموا أن يسقوه خمرا أو مخدرا حتى يقطعوها فرفض وأمرهم بقطعها وهو يصلي!! فما تحرَّك وما سُمِعَ له صراخ ولا أنين!!
لا تعجب فمثل هذا لا يبعد عمن أقبل على الله بكليته قلبا وقالبا!!
هذه ذكرى والذكرى تنفع المؤمنين، فإن لم تنتفع بالذكرى فأخشى أن يكون لك نصيب من قوله تعالى: {سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} [الأعراف: ١٤٦]
فنعوذ بالله من الغفلة ونسأل الله أن يحينا على ذكره وشكره وحسن عبادته والحمد لله رب العالمين.
بقلم / حمد بن دلموج السويدي

السبت، 28 يونيو 2014

تنبيه مهم بشأن نية الصيام لشهر رمضان

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد:
فإن البعض يتناقل رسائل يحث فيها الناس على النية للصيام في شهر رمضان ويدعوهم إلى التلفظ بها قائلا: قولوا نويت أن أصوم...الخ
- وهذا لا شك أنه مجانب للصواب ولما كان عليه نبينا صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام؛ إذ لو كان هذا الأمر مشروعًا لسبقنا إليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
- وعقد نية الصيام من العبادات لقوله صلى الله عليه وسلم: "من لم يبيِّتِ الصِّيامَ منَ اللَّيلِ فلا صيامَ لَه"  [النسائي ٢٣٣٣ ]
- ومعنى النية القصد إلى الشيء، فكل من علم أن غدًا من رمضان وهو يريد صومه، فقد نوى صومه، وقد نص على ذلك شيخ ابن تيمية في الفتاوى (25/215)
- فهذه هي حقيقة النية ولا مزيد عليها، أما التلفظ بها فهو بدعة ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد أصحابه أنه فعلها البتة!!
- والأصل في العبادات المنع حتى يأتي الدليل على المشروعية، ولم يأتِ دليل على التلفظ بها فدل على أنها بدعة!!
"..وكل بدعة ضلالة" كما قال صلى الله عليه وسلم.

- واختلف العلماء: هل تكفي نية واحدة للشهر كله أم يشترط لكل يوم نية مستقلة؟
والجواب: تكفي نية واحدة في بداية الشهر-قبل دخول فجر أول يوم من رمضان- ما لم يحصل انقطاع في تتابع الصوم على الصحيح من قولي العلماء، فإن قطع صومه لمرضٍ أو سفرٍ ونحوه فيستأنف النيَّة لبقية الشهر.
-فالنيَّة وإن لم تقع في كل ليلةٍ حقيقةً، فهي واقعةٌ حكمًا؛ لأن الأصل عدم قطع النية، ولا يسع الناس العمل إلا بهذا وهذا اختيار العلامة ابن عثيمين في الشرح الممتع (6/356)
- ومجرد القصد إلى السحور قائمٌ مقام تبييت النية عند من اعتبر التبييت لكل ليلة.
وختاما أسأل الله أن يبارك لنا في رمضان وأن يعيننا فيه على الصيام والقيام وقراءة القرآن وكل عام وأنتم بخير..

كتبه أخوكم/ حمد بن دلموج السويدي

الاثنين، 9 يونيو 2014

طاعة ولاة الأمور بعيدًا عن غلو الغالين وجفاء الجافين!!

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وأصحابه أجمعين وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:
فإن المحافظة على الأمن والاستقرار هو مطلب أساسي تسعى له البشرية جمعاء على اختلاف طوائفها ومللها، ومن المعلوم أن الشريعة الإسلامية جاءت بما فيه خيري الدنيا والآخرة، وإن من أعظم الأصول الإسلامية التي تكفل وجود الأمن والمحافظة عليه هو السمع والطاعة بالمعروف لولي الأمر المسلم برًا كان أو فاجرًا، والنصوص الشرعية قاطعة بذلك؛ إذ لا يستقيم أمر الناس ولا تحفظ دماؤهم ولا أعراضهم ولا تؤَّمن السبل ولا تقام شعائر الله كالجمع والجماعات إلا بوجود أمن، ولا أمن إلا بوجود إمام يسوسهم مهما كان ظالما، والواقع خير برهان على ذلك.
ومما يؤكد أهمية هذا الأصل العظيم مسارعة الصحابة في تولية أبي بكر الصديق رضي الله عنه ومبايعته ليكون خليفة للمسلمين حال تجهيز النبي صلى الله عليه وسلم وقبل دفنه.
وقد تظافرت النصوص الشرعية على هذا الأصل العظيم كقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ}[النساء: ٥٩]
فالله عزوجل أمر بطاعة ولاة الأمور ولم يجعلها مشروطة بصلاحهم، وتكرر الفعل {أطيعوا} في قوله: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} إشارة إلى أن طاعة الله ورسوله طاعة مطلقة، وحذف الفعل في قوله {وأولي الأمر منكم} وأكتفى بالعطف، إشارة إلى أن طاعة ولاة الأمور إنما هي طاعة مقيدة، وقد جاء تقييدها في قوله صلى الله عليه وسلم: " لاَ طَاعَةَ فِى مَعْصِيَةِ اللَّهِ إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِى الْمَعْرُوفِ " [رواه مسلم: 4871]
ومن النصوص العظيمة في هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم: " يَكُونُ بَعْدِى أَئِمَّةٌ لاَ يَهْتَدُونَ بِهُدَاىَ وَلاَ يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِى وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِى جُثْمَانِ إِنْسٍ "
قال الراوي: قلت: كيف أصنع يا رسول الله، إن أدركت ذلك؟
قال: " تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأَمِيرِ وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ " [رواه مسلم: ١٨٤٧]
وقوله صلى الله عليه وسلم : "ستكونُ أثرَةٌ وأمورٌ تُنْكِرُونَها",
قالوا : يا رسولَ اللهِ فما تَأْمُرُنا؟
قال : "تُؤَدُّونَ الحقَّ الذي عليكم، وتَسْأَلونَ اللهَ الذي لَكُمْ" [البخاري: ٣٦٠٣]
قلت: والحق الذي علينا هو السمع والطاعة في غير معصية الله.
فهذه نصوص واضحة بينة لا يتطرق إليها أدنى احتمال، فهي من المحكمات في هذا الباب التي يُرد إليها المتشابه ليتضح معناه، كما هي طريقة الراسخين في العلم، وأما أهل الزيغ ومرضى القلوب فيغضون الطرف عنها ويتشبثون بالنصوص المشتبهة لأجل فتنة اتباعهم كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: ٧]
فكن على طريق الراسخين ولا تحد عنه فتزيغ وتكون من الجاهلين.
وولاة الأمور لا يخلو حالهم من أحد هذه الأحوال:
١- أن يكون مسلمًا عادلاً فهذا تجب طاعته ويحرم الخروج عليه بلا خلاف.
٢- أن يكون مسلمًا ولكنه عاص أو ظالم فهذا تجب طاعته ويحرم الخروج عليه ما دامت معصيته لا تخرجه عن دائرة الإسلام، كما في حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعناه، فقال فيما أخذ علينا: " أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا ، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا ، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا ، وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ ، قَالَ : إِلاَّ أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ " [البخاري: ٧٠٥٦]، فبايع الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة ولو استأثر الولاة بالدنيا وأمر ألا ينازعوا بسبب ذلك، ولم يستثن النبي صلى الله عليه وسلم إلا حالة واحدة وهي النقطة التالية.
٣- أن يكون كافرًا أو خرج منه كفر بواح، كما في تتمة حديث عبادة بن الصامت: "... إِلاَّ أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ" [البخاري: ٧٠٥٦]
قال البغوي في شرح السنة (١٠ / ٤٧): "بواحا" أي: جهارا، يقال: باح بالسر، وأباحه: إذا جهر به، وقوله: " عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ " أي: آية أو سنة لا تحتمل التأويل"
فمثل هذا لا سمع له ولا طاعة وتجب إزالته بشرط القدرة على ذلك من غير سفك للدماء؛ لأن حرمة الدماء عظيمة عند الله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ " [الترمذي: ٢٦١٩]
وأنبه إلى أمر مهم وهو أن الحكم على المعين بالكفر ليس لآحاد الناس -لاسيما الجهلة الأغمار- وإنما هو لأهل العلم الراسخين.
ومما يؤسف له جرأة حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام ممن لا قدم لهم في العلم ولا ساق!! على هذه المسائل الكُبّار بدون زمام ولا خطام فيضلون أنفسهم ويضلون غيرهم وقد قال صلى الله عليه وسلم:"... وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلاَلَةٍ ، كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ ، لاَ يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا " [رواه مسلم: 9601] !!.
وقال صلى الله عليه وسلم: " أَيُّمَا امْرِئٍ قَالَ لأَخِيهِ يَا كَافِرُ. فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ وَإِلاَّ رَجَعَتْ عَلَيْهِ " [رواه مسلم:225] فالواجب الحذر.
وطاعة الولاة الظلمة أو الفسقة ومنع الناس من الخروج عليهم ليست دليل المحبة لهم كما يتوهمه قاصرو العلم أرباب الهوى ويشيعونه بين الناس!! إنما يطاعون لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بذلك، ولأن المصلحة في طاعتهم أعظم من الخروج عليهم, لذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في منهاج السنة (3/391) : "ولعله لا يكاد يعرف طائفة خرجت على ذي سلطان إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته"
وأما محبتهم فهي بقدر ما عندهم من إيمان، وبغضهم بقدر ما عندهم من المعاصي لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " إِنَّ أَوْثَقَ عُرَى الإِيمَانِ أَنْ تُحِبَّ فِي اللهِ وَتُبْغِضَ فِي اللهِ " [رواه أحمد: 6 /318]
وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخروج على الولاة الظلمة كما في حديث عوف ابن مالك عن سول الله صلى الله عليه وسلم قال: "خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ،
قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلاَ نُنَابِذُهُمْ بِالسَّيْفِ ؟
فَقَالَ:"لاَ، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاَةَ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْ وُلاَتِكُمْ شَيْئًا تَكْرَهُونَهُ، فَاكْرَهُوا عَمَلَهُ ، وَلاَ تَنْزِعُوا يَدًا مِنْ طَاعَةٍ" [رواه مسلم: 4832]
وقال صلى الله عليه وسلم: " مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ ، لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ حُجَّةَ لَهُ ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً " [رواه مسلم: 4821]
والخروج على الولاة يكون بالكلمة كما يكون بالسيف، بل ليس هناك خروج بالسيف إلا وتسبقه كلمة.
ويحرم التشهير بزلات الولاة  ونشر معايبهم على المنابر أو عبر وسائل التواصل الإجتماعي الحديثة ودفن حسناتهم, بل الواجب نصيحتهم في السر لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْصَحَ لِسُلْطَانٍ بِأَمْرٍ فَلاَ يُبْدِ لَهُ عَلاَنِيَةً وَلَكِنْ لِيَأْخُذْ بِيَدِهِ فَيَخْلُوَ بِهِ فَإِنْ قَبِلَ مِنْهُ فَذَاكَ وَإِلاَّ كَانَ قَدْ أَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ لَهُ " [رواه أحمد: 5 /287 ]
وهو أفضل الجهاد  لقوله صلى الله عليه سلم لمن سأله: أي الجهاد أفضل؟ قال : " كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ" [رواه أحمد 4 / 315]
فقال: "عند" ليس من وراء ظهره كما يفعل الجبناء اليوم في وسائل التواصل الإجتماعي وغيرها.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَهَانَ سُلْطَانَ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ أَهَانَهُ اللهُ" [رواه الترمذي: 2224]
هذا هو منهج أهل السنة والجماعة في باب طاعة ولاة الأمور بعيدًا عن غلو الرافضة في تقديس ولاتهم ومن نحا نحوهم, وعن جفاء الخوارج ومن نحا نحوهم في تسفيه ولاتهم والخروج عليهم.
وختامًا أسأل الله أن يهدي ضال المسلمين وأن يصلح أحوالهم والحمد لله رب العالمين.
كتبه/ حمد بن دلموج السويدي
11/شعبان/1435 هـ
09/يونيو / 2014 م

السبت، 10 مايو 2014

{وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا}

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد:
فإن البرق والرعد والصواعق من آيات الله الدالة على عظمته سبحانه والتي يرسلها الله عز وجل تخويفًا للناس وتذكيرًا لهم بعظمته وقوته وجبروته جل وعلا كما قال تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا
وقد أخرج ابن أبي عاصم في السنة (٦٩٢): عن أنس رضي الله عنه قال: أرسلَ رسولُ اللَّهِ رجلًا مِن أصحابِهِ إلى رأسِ المشرِكينَ يَدعوهُ إلى اللَّهِ تعالى فقالَ المشرِكُ: هذا الَّذي تَدعوني إليهِ من ذَهَبٍ أو فضَّةٍ أو نُحاسٍ؟!
فتعاظمَ مقالتُهُ في صدرِ رَسولِ رسولِ اللَّهِ فرجعَ إلى رسولِ اللَّهِ فأخبرَهُ فقالَ: ارجِع إليهِ .
فرجعَ إليهِ بمثلِ ذلِكَ وأرسلَ اللَّهُ علَيهِ صاعقةً منَ السَّماءِ فأَهْلَكَتهُ ورسولُ رسولِ اللَّهِ في الطَّريقِ لا يَدري، فقالَ لهُ النَّبيُّ: " إنَّ اللَّهَ قد أَهْلَكَ صاحبَكَ بعدَكَ" ونزلَت علَى رسولِ اللَّهِ {وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ} [صححه الألباني]
ومما يؤسف له أن تمر على الإنسان مثل هذه الآيات العظيمة ولا يزداد إيمانه، بل ربما نحى بها منحى أهل الدجل والخرافة كمن علق على صورة البرق الذي ضرب برج الساعة بمكة قبل أيام وقال:
"الصاعقة التي ضربت برج الساعة بمكة رسمت خارطة فلسطين رسما دقيقاً..!!"
وهذا والله من الخرافة والدجل وسفاهة العقول!!
فلا يلفت لمثل هذه التفاهة، بل الواجب على المؤمن أن يتفكر في هذه الآيات العظيمة التي تثمر في قلبه كمال الذل والخضوع لرب العزة، والخوف منه الذي يثمر ملازمة التقوى في السر والعلانية، وقد كان عبدالله بن الزبير رضي الله عنه إذا سمِعَ الرَّعدَ تركَ الحديثَ وقال: سبحان الَّذي { يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ } [ الرعد : 13 ] ثمَّ يقولُ : إنَّ هذا لوعيدٌ شديدٌ لأهلِ الأرض" [صححه الألباني في الأدب المفرد ٥٥٦]
وختاما أسأل الله أن يصلح قلوبنا وأن يهدينا سواء السبيل والحمد لله رب العالمين.

كتبه أخوكم /
حمد بن دلموج السويدي
12/ رجب / 1435
11/ مايو / 2014